سطور مضيئة : الدكتور محمد مشالي ” طبيب الغلابة “

alam alatebbaa

سطور مضيئة : الدكتور محمد مشالي ” طبيب الغلابة “

سطور مضيئة : الدكتور محمد مشالي ” طبيب الغلابة “

كانت نقطة التحوُّل في حياة الدكتور محمد مشالي حين وقعت حادثةٌ كان شاهداً عليها في إحدى القُرى الفقيرة التي عمل بها طبيباً في إحدى الوحدات الصحيَّة، وكان لها التأثير الأكبر فيه؛ وقد بكى “طبيب الغلابة” وهو يروي ويتذكَّر أحداث هذه الواقعة قائلاً:

جاء إليَّ طفلٌ صغير مريضٌ بالسُكَّر وهو يبكي من الألم ويقول لوالدته: أعطني حُقنة الأنسولين، فردَّت أمُّ الطفل: لو اشتريت حُقنة الأنسولين، فلن نستطيع شراء الطعام لبقية إخوتك، فما كان من هذا الأخ المريض إلَّا أن أحرَقَ نفسه أسىً على حاله وحال أُسرَته، ولا زلتُ أتذكَّر هذا الموقف الصعب الذي جعلني أَهَبُ علمي للكشف على الفقراء”.

منذُ ذلك الوقت قرَّر الطبيب مشالي أن يكون عمله صدقةً جاريةً لكلِّ من يحتاج أو يطلُب، مُنفِّذاً بذلك وصيَّة والده بأن يُسخِّر علمه لخدمة الفقراء، وألَّا يُحصِّل ثمن الكشف ممَّن لا يملك قوت يومه؛ وبهذا التزم الطبيب مشالي في مسيرة عمله، ففي كثيرٍ من الحالات والمواقف التي تعرَّض إليها خلال عمليَّات الكشف والفحص لمرضاه، امتنع عن تحصيل ثمن الكشف الزهيد وحتَّى أنَّه قد أعطاهم ثمن الدواء، كما أنَّه يُجري فى بعض الأحيان تحاليل بالمجَّان يعجز المرضى عن سداد قيمتها؛ وفي مُناسباتٍ كثيرةٍ يقول طبيب الإنسانيَّة أنَّ حياة الإنسان أهمُّ بكثيرٍ من أيِّ شيءٍ آخر.

في عيادته المُتواضعة في المدينة قُرب المسجد الأحمدي، والتي لا يزال يُمارس منها عمله حتَّى الآن، بدأ “طبيب الغلابة” الكشف بعشرة قروش؛ واليوم، ورغم مرور أكثر من نصف قرن، لم يتجاوَز ثمن الكشف 10 جنيهات. وعندما سُئِلَ عن سبب قلَّة أجر الكشف لديه قال: “أنا نشأتُ في بيئةٍ مُتواضعة؛ لذا فقد فتحتُ هذه العيادة للفئات المطحونة”، ويقول أيضاً: “لو لم أنتبه لهؤلاء المطحونين، وغيري لم ينتبه لهم، فماذا يفعلون؟ هل يموتون وهُم أحياء؟”. عمِلَ الطبيب محمد  مشالي عقب تخرُّجه في عددٍ من الوحدات الريفيَّة، حيث أنَّ وفاة والده تركت عليه مسؤوليَّة الإنفاق على إخوته الخمسة، وقد تزوَّج بعد ذلك بـ 8 سنوات، وأنجب 3 أبناءٍ تخرَّجوا جميعاً من كُليَّة الهندسة؛ وقد تُوفِّي شقيقه أيضاً تاركاً له 3 أطفالٍ في المرحلة الابتدائيَّة، تكفَّل بهم الدكتور محمد مشالي إلى أن تخرَّجوا من الجامعات.

طبيب الغلابة تنقَّل بين الوحدات الريفيَّة،بمحافظة الغربية  حتى عمل في منصب مُدير مُستشفى الأمراض المُتوطِّنة، ثمَّ مُديراً لمركزٍ طبِّيٍّ خاص، إلى حين خروجه على المعاش في عام 2004، وقد افتتح عيادته الخاصَّة عام 1975 في مدينة طنطا.

يبدأ “طبيب الغلابة” يومه بالاستيقاظ باكراً، ويقضي أغلب أوقاته خلال اليوم في عيادته في طنطا، ومن ثمَّ يتوجَّه إلى العيادتين الأُخْرَيَيْن في قريتين مجاورتين لمدينة طنطا لتوقيع الكشف الطبِّي على أبناء القريتين، مُشدِّداً على أنَّ سعر الكشف في العيادات 5 جنيهات فقط، مُلتزماً برسالته الإنسانيَّة تجاه الفُقراء.

وهكذا قضى الطبيب محمد مشالي حياته كلَّ يوم، زاهداً في كُلِّ شيء إلَّا خدمة الفُقراء ومُساعدتهم في عيادته المُتواضعة دون كللٍ أو ملل، رغم تجاوزه السبعين سنةً من عُمره. فإذا ما فرغ من خدمة المرضى، انشغل بشغفه بقراءة الكتب؛ وكما يقول فقد علَّمته القراءة أن يكون مُعتدلاً ومُتَّزناً، وأن يُحسن التصرُّف في حياته الخاصَّة، فلا يتسرَّع ولا يندفع ولا يُخطئ؛ وأن يتَّسم بطول النفس،. رحم الله  الدكتور محمد مشالى وتغمده بواسع رحمته.

اترك رد

Next Post

الكشف علي 200 من أهالي قرية كفر القريبين في قافلة طبية لجامعة المنوفية

الكشف علي 200 من أهالي قرية كفر القريبين في قافلة طبية لجامعة المنوفية